ابن الزيات


21 ديسمبر, 2012

 

 

ابن الزيات

173 – 233  للهجرة

محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة أبو جعفر المعروف بابن الزيات.

وزير المعتصم والواثق العباسيين، وعالم باللغة والأدب من بلغاء الكتاب والشعراء.

نشأ في بيت تجارة في الدسكرة  ونبغ فتقدم حتى بلغ رتبة الوزارة.

وعول عليه المعتصم في مهام دولته. وكذلك ابنه الواثق ولما مرض الواثق عمل ابن الزيات على توليه ابنه وحرمان المتوكل فلم يفلح، وولي المتوكل فنكبه وعذبه إلى أن مات ببغداد.

وكان من العقلاء الدهاة وفي سيرته قوه وحزم.

 

 

قالوا جَزِعتَ فَقُلتُ إِنَّ مُصيبَةً         جَلَّت رَزِيَّتُها وَضاقَ المَذهَبُ

كَيفَ العَزاءُ وَقَد مَضى لِسَبيلِهِ         عَنّا فَوَدَّعنا الأَحَمُّ الأَشهَبُ

دَبَّ الوُشاةُ فَباعَدوهُ وَرُبَّما         بَعُدَ الفَتى وَهوَ الحَبيبُ الأَقرَبُ

لِلَّهِ يَومَ غَدَوتَ عَنّي ظاعِناً         وَسُلِبتُ قُربكَ أَيَّ عِلق أسلّبُ

نَفسي مُقَسَّمَةٌ أَقامَ فَريقُها         وَغَدا لِطِيَّتِهِ فَريق يُجنِبُ

الآنَ إِذ كَمَلَت أَداتُكَ كُلُّها         وَدَعا العُيونَ إِلَيكَ لَونٌ مُعجِبُ

وَاختيرَ مِن سِرِّ الحَدايِدِ خَيرها         لَكَ خالِصاً وَمِنَ الحُلِيِّ الأَغرَبُ

وَغَدَوتَ طَنَّان اللِّجامِ كَأَنَّما         في كُلِّ عُضوٍ مِنك صنجٌ يُضرَبُ

وَكَأَنَّ سَرجَكَ إِذ عَلاكَ غَمامَةٌ         وَكَأَنَّما تَحتَ الغَمامَةِ كَوكَبُ

وَرَأى عَلَيَّ بِكَ الصَّديقُ مَهابَةً         وَغَدا العَدُوُّ وَصَدرُهُ يَتَلَهَّبُ

أَنساكَ لا بَرِحَت إِذنَ مَنسِيَّة         نَفسي وَلا زالَت بِمِثلِكَ تُنكَبُ

أَضمَرتُ مِنكَ اليَأسَ حينَ رَأَيتَني         وَقُوى حِبالِكَ مِن قوايَ تقضَّبُ

وَرَجَعتُ حينَ رَجَعت مِنك بِحَسرَةٍ         لِلَّهِ ما صَنَعَ الأَصَمُّ الأَشيَبُ

فَلتَعلَمَن أَلَّا تَزالُ عَداوَةٌ         عِندي مريَّضَةٌ وَثَأرٌ يُطلَبُ

يا صاحِبَيَّ لِمِثلِ ذا مَن أَمرهُ         صَحِبَ الفَتى في دَهرِهِ مَن يَصحَبُ

إِن تُسعدا فَصَنيعَةٌ مَشكورَةٌ         أَو تخذلا فَصَنيعَةٌ لا تَذهَبُ

عِوجا نُقَضِّ حاجَةً وَتَجَنَّبا         بَثَّ الحَديثِ فَإِنَّ ذلِكَ أَعجَبُ

لا تُشعِرا بِكُما الأَحَمَّ فَإِنَّهُ         وَأَبيكُما الصَّدعُ الَّذي لا يُرأَبُ

أَو تَطوِيا عَنهُ الحَديثَ فَإِنَّهُ         أَدنى لِأَسبابِ الرَّشادِ وَأَقرَبُ

لا تُشعِراهُ بِنا فَلَيسَ لِذي هَوى         نَشكو إلَيهِ عِنده مُستَعتَبُ

وَقِفا فَقولا مَرحَباً وَتَزَوَّدا         نَظَراً وَقَلَّ لِمَن يُحَبُّ المرحَبُ

مَنَعَ الرَّقادَ جَوى تَضَمَّنَهُ الحَشا         وَهَوى أكابِدهُ وَهَمٌ مُنصِبُ

وَصَبا إِلى الحانِ الفُؤادُ وَشاقَهُ         شَخصٌ هُناكَ إِلى الفُؤادِ مُحَبَّبُ

فَكَما بَقيتُ لِتَبقَيَنَّ لِذِكرِهِ         كَبِد مُفَرَّثَة وَعَينٌ تَسكُبُ

,

 

 

سَلامٌ عَلى الدّارِ الَّتي لا أَزورُها         وَإِن حَلَّها شَخصٌ إِلَيَّ حَبيبُ

وَإِن حَجَبَت عَن ناظِرَيَّ سُتورُها         هَوىً تَحسُن الدُّنيا بِهِ وَتَطيبُ

هَوىً تَحسُنُ اللَّذاتُ عِندَ حُضورِهِ         وَتَسخُنُ عَينُ اللَّهوِ حِينَ يَغيبُ

تَثَنى بِهِ الأَعطافُ حَتّى كَأَنَّهُ         إِذا اِهتَزَّ مِن تَحتِ الثِّيابِ قَضيبُ

رَضيتُ بِسَعي الوَهْمِ بَيني وَبَينها         وَإِن لَم يَكُن لِلعَينِ فيهِ نَصيبُ

مَخافَةَ أَن تُغرَى بِنا أَلسُنُ العِدا         وَيَطمَعُ فينا عائِب فَيَعيبُ

كَأَنَّ مَجالَ الطَّرفِ مِن كُلِّ ناظِرٍ         عَلى حَرَكاتِ العاشِقينَ رَقيبُ

 ,

الآنَ قامَ عَلى بَغدادَ ناعيها         فَليَبكِها لِخَرابِ الدَّهرِ باكيها

كانَت عَلى ما بِها وَالحَربُ بارِكَةٌ         وَالهَدمُ يَغدو عَلَيها في نَواحيها

تُرجى لَها عَودَةٌ في الدَّهرِ صالِحَةٌ         فَالآنَ أضمر مِنها اليَأسُ راجيها

مِثلُ العَجوزِ الَّتي وَلَّت شَبيبَتُها         وَبانَ مِنها جَمالٌ كانَ يُحظيها

ازَّت بِها حرَّة زَهراءُ واضِحَةٌ         كَالشَّمسِ مَكسُوَّة دراً تراقيها

 ,

إِنّي نَظَرتُ وَلا صَوابَ لِعاقِلٍ         فيما يَهُمُّ بِهِ إِذا لَم يَنظُرِ

فَإِذا كِتابُكَ قَد تُخيِّر خَطُّهُ         وَإِذا كِتابي لَيسَ بِالمُتَخَيَّرِ

وَإِذا رُسومٌ في كِتابِكَ لَم تَدَع         شَكّاً لِمُعتَنِف وَلا لِمُفَكِّرِ

نُقَطٌ وَأَشكالٌ تَبينُ كَأَنَّها         نَدبَ الخُدوشِ تَلوحُ بَينَ الأسطُرِ

تُنبيكَ عَن رَفعِ الكَلامِ وَخَفضِهِ         وَالنَّصب مِنهُ لِحالِهِ أَو مَصدَرِ

وَتُريكَ ما يُعيا بِهِ فِبَعيدُهُ         كَقَريبه وَمُقَدَّم كَمُؤَخَّرِ

وَإِذا كِتابُ أَخيكَ مِن ذا كُلِّه         عار فَبِئسَ لِبايِعٍ وَلِمُشتَري

فَاِقبِض كِتابَ أَخيكَ غَير مُنافِس         فيهِ وَخَلِّ لَهُ كِتابَكَ وَاِعذُرِ

وَاِعلم بِأَنَّكَ لا تَزالُ مُؤَخّرا         مُستَأخِرا في العِلمِ ما لِم تَكسِرِ

إِنّي أَرى حَبسَ السَّماعِ عَلى الَّذي         شارَكتَهُ فيهِ وَكَسر الدَّفتَرِ

,

 

 

يا أَيُّها العائِبِيُّ وَلَم يَرَ لي         عَيباً أَما تَنتَهي فَتَزدَجِرُ

هَل لَكَ وَترٌ لَدَيَّ تَطلُبُهُ         أَم أَنتَ فيمَن يَبيتُ يَعتَذِرُ

إِن كانَ قَسمُ الإله فَضَّلَني         وَأَنتَ صَلدٌ ما فيكَ مُعتَصَرُ

فَالحَمدُ وَالمَجدُ وَالثَّناءُ لَهُ         وَلِلحَسودِ التُرابُ وَالحَجَرُ

إِقرَأ لَنا سورَةً تُخَوِّفُنا         فَإِنَّ خَيرَ المَواعِظِ السُّوَرُ

أَو اِروِ فقهاً تَحيا القُلوبُ لَهُ         جاءَ لَهُ عَن نَبِيِّنا خَبَرُ

أَوهاتِ ما الحُكمُ في فَرائِضنا         ما تَستَحِقُّ الإِناثُ وَالذّكَرُ

أَو اِروِ عَن فارِسٍ لَنا مَثَلاً         فَإِنَّ أَمثالَ فارِس عبَرُ

أَو مِن أَحاديث جاهِلِيَّتِنا         فَإِنَّها عبرةٌ وَمُعتَبِرُ

أَو هاتِ كَيفَ الإِعرابُ في الرَف         عِ وَالخَفضِ وَكَيفَ التَّصريف وَالصَّدرُ

أَو اِروِ شِعراً أَو صِف عَروضاً         بِهِ يُبلى صَحيح مِنهُ وَمُنكَسِرُ

فَإِن جَهِلتَ الآدابَ مُرتَغِباً         عَنها وَخِلت العَمى هُوَ البَصَرُ

وَمَن تَعَوَّضَ مِن ذاكَ مَيسَرَة         عَلَيك مِنها لِبَهجَةٍ أَثَرُ

فَغَنِّ صَوتاً تَلهو الغُواةُ لَهُ         وَكُلُّ ما قَد جَهِلتَ يُغتَفَرُ

,

 

 

دَعا شَجوى دُموعَ العَينِ مِنِّي         فَبادَرتِ الدُّموعُ عَلى ثِيابي

وَقالَ القَلبُ سَمعُكَ ساقَ حَتفي         عَلى عَمدٍ وَأَغرَقَ في عَذابي

فَقالَت سَمعُكَ الجاني هَلاكي         بِأَغلَظَ ما يَكونُ مِنَ العِقابِ

وَلا تَغفَل فَتفقِدني فَأَبقى         بِلا قَلبٍ إِلى يَومِ الحِسابِ

فَإِنِّي بَينَ أَطيافِ المَنايا         مُقيمٌ بَينَ أَظفارٍ وَنابِ

فَقالَ السَّمعُ حينَ عَتَبتُ لمهُ         على حُبِّ الخدَلَّجَةِ الكعابِ

وَعَيتُ كَلامَ مُكتَحِلٍ غَريرٍ         فَأَعياني لَهُ رَجعُ الجَوابِ

فَأَدَّيتُ الكَلامَ وَلَم أجِبهُ         إِلى القَلبِ المولَّع بِالتَّصابي

فَعاقِب قَلبَكَ المِلجاجَ فيهِ         وَدَعني لا تَنطَّع في عِقابي

فَقُلتُ صَدَّقَتني وَعَذَلَت قَلبي         وَلَم أحمِل عَلى عَيني عِتابي

فَقالَ القَلبُ ثُمَّ أَقَرَّ ها قَد         عَشِقتَ أَميرَةً تَهوى اِجتِنابي

تَصَبَّر قَد سَقَينَكَ كَأسَ عِشقٍ         حُمَيَّاها تَجول على الحِجابِ

تُنَغِّصُكَ الطَّعامَ وَكُلَّ عَيشٍ         وَتَمزُج ما يَسوؤك بِالشَّرابِ

فَقُلتُ لَهُ قَطَعتَ الصُّلبَ مِنّي         وَقَد أَلصَقتَ خَدِّي بِالتُّرابِ

لَعَلَّكَ قَد كَلِفتَ بِحُبِّ قَصف         فَقالَ القَلبُ قَد قَرطَست ما بي

فَقُلتُ قَتَلتَني وَأَذَبتَ جِسمي         وَقَد آذَنتَ روحي بِالذّهابِ

كَأَنّي عَن قَليلٍ غَير شك         مُسَجَّى بَينَ أَصحابي لِما بي

وَما لي لا أَموتُ وَهَمُّ نَفسي         يُباعِدُني وَيَزهَدُ في اِقتِرابي

إِذا عاهَدتُهُ عَهدَ التَّصابي         يُصَيِّرُ عَهدَهُ لَمعَ السَّرابِ

يُريدُ بِذاكَ تَعذيبي وَغَيظي         وَتَصييرَ الوِصالِ إِلى تَبابِ

وَلَم يَرحَم مُطالَبَتي وَجَهدي         وَما لاقيتُ من طول اكتِئابِ

أَصابَ جَفاؤُهُ قَلبي بِضُرٍّ         وَأَخلَقَ ما لَبِستُ مِنَ الثِّيابِ

وَناوَلَني وَراءَ الظَّهرِ مِنِّي         بِيُسرى الكَفِّ في غِلَظ كِتابي

فَكَيفَ تَلَطُّفي لِأَغَرَّ أَحوَى         إِذا ما زُرتُ أَسرَفَ في سبابي

لَقَد كُنتُ الغَني فَلَم يُجِرني         شَقاءُ الجَدِّ مِن حُبِّ الخِلابِ


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!